الرئيسية مقالات طفولة مهولة! .. عودة الى حديث الذكريات

طفولة مهولة! .. عودة الى حديث الذكريات

1 دقيقة قراءة
0
385

الاعلامي : جعفر عباس

كانت طفولتي أبعد ما تكون عن الرومانسية رعي غنم، وعقارب، وشياطين وتماسيح، وقمل، و”أمشي يا ولد جيب ملح من بيت خالتو زينب”

ولكن وبكل فخر لم أكن أعاني من القمل كثيراً لأن شعر رأسي كان يتعرض للجزّ الكامل على الزيرو كل يوم جمعة، وبما أنني من أسرة برجوازية، فقد كانوا يضعون على فروة رأسي بعد الحلاقة مباشرة آفتر شيف after shave لا يقلل من شأنه أنه كان صناعة محلية

فقد كان عبارة عن عجين مصنوع من دقيق الذرة بعد اختماره، وتخيل أن يكون لونك مثل لون ابي الجعافر (راجع الصورة أعلاه، مع الأخذ في الاعتبار أنها خضعت للمكياج الفوتغرافي المسمى فوتوشوب)

ويكون رأسك الأجرد مكسوا بمادة شديدة البياض لنحو ثلاث ساعات! مشهد لو رأته واحدة من بنات آخر الزمان لصاحت: يمه.. واسلمت الروح.

الأمواس التي كانوا يحلقون بها شعر الرأس كانت تعود في معظمها إلى العصر العثماني الوسيط، فالموس الواحدة كانت تستخدم نحو مائة مرة، وكل عواجيز العائلة الذين كانوا أيضا يجزون ذقونهم بها بين الحين والآخر، وربما استخدمت في ختان بعضهم، وكنا نستحم مرة واحدة في الأسبوع – أيام الجمعة، وكنا نتمارض كي نتجنب الاستحمام الذي كانت أدواته جردل (سطل) ماء، وطشت، وصابونة مكعبة لا تصدر عنها رغوة إلا بعد فركها بالجلد لنحو عشرين دقيقة؛ هي نفس الصابون المستخدم في غسل الملابس، وأواني الطبخ، وكان يحتوي على صودا كاوية تكوي وتصهر الحديد، وعندما تتسرب إلى العين- لا حول ولا قوة إلا بالله.

وكانت أمي تتولى “تحميمي” حتى بلغت العاشرة لأنني لم أكن أبادر فأستحم، والأنكى من ذلك أنها كانت تضع الطشت في وسط الحوش وأقف أنا مثل الأهبل أرتجف وتدخل علينا جاراتنا ويتسامرن مع أمي وأنا أقف هناك بلا حياء أصرخ – ليس طلباً للستر – بل لأن الصابون تسلل إلى عينيّ.

كان الزي المدرسي في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة يتألف من الجلباب (الجلابية) وعمامة لا يتعدى طولها المتر الواحد وفي المرحلة الابتدائية كان معظمنا يملك جلبابا واحدا، ومن باب ترشيد الانفاق لم يكن يخضع للغسل إلا مرة في الأسبوع، وملابس تُغسل مرة واحدة في الأسبوع على أجسام تغتسل مرة في الأسبوع في أفضل الأحوال، كانت بالضرورة مزارع لإنتاج القمل بكميات تجارية

ولكن التلاميذ كانوا يحرصون على المثول في الطابور الصباحي يوم السبت في مظهر جيد لأنهم كانوا يخضعون للتفتيش على أجسامهم للتأكد من نظافتها، وكان المدرسون يطالبوننا برفع جلابيبنا ليتقصوا حالة سراويلنا الداخلية، وعند صدور الأمر بـ “رفع” الجلابيب كان بعضنا يجهش بالبكاء لأنه نسي أن يرتدي سروالاً أو لا يملك سروالا أصلا، أو استيقظ صباحا ووجد سرواله الوحيد على الحبل مبتلا.

في المدرسة المتوسطة طرأ تحسن طفيف على مظهرنا، فلأننا كنا بعيدين عن “اللي خلفونا”، فقد كانوا يزودوننا بملابس احتياطية، وكان الزي المدرسي أيضاً الجلباب والعمامة القصيرة، وكان لبس البنطلونات والشورتات “عيباً”، وإلى عهد قريب كان القرويون في السودان يعتبرون من يرتديها إما شاذا جنسيا، أو شبه منحرف، أما في المرحلة الثانوية فقد اضطررنا نحن القرويين من شمال السودان وأطراف البلاد الأخرى إلى ابتلاع كرامتنا وارتداء الشورت الذي يسمى في السودان (الرداء)، وفي السنة الثانية من المرحلة الثانوية حدثت لي طفرة مازالت تشكل معلماً بارزا في مسيرة حياتي، (حدثتكم من قبل عن الطفرات التي مررت بها ومنها امتلاك حمار كنت أذهب به إلى المدرسة.. ثم كيف فزت بعلبة كرز في مسابقة مدرسية، وقررت الاحتفاظ بها حتى يتسنى لي لقاء شقيقي الأكبر الذي كان يعيش في المدينة، وعندما التقيت أخي بعد نحو عامين، وفتحنا العلبة ووجدناها ممتلئة بالديدان، بعد انتهاء صلاحيتها. ثم استخدمت التلفون لأول مرة وأنا في الصف الثاني الثانوي)

لو تركت الأمر لأهلي وأنا على أعتاب المرحلة الجامعية لما زودوني بأكثر من بنطلونين، ولكنني عملت خلال العطلة الصيفية التي سبقت التحاقي بالجامعة بدكان يتبع لشركة باتا الشهيرة لصنع الأحذية واشتريت ملابس من حر مالي

وكنت سعيداً بالبونص الذي منحته لي الشركة وهو حذاء جلدي برباط وكان هذا النوع من الأحذية يسمى وقتها (جزمة قزاز) لأن جلها كان شديد اللمعان.

هل أتباهى بأنني كنت مبهدلاً؟ لا أتباهى ولكنني لا أحس بالخجل لكوني كنت كذلك. وكلما فتحت اليوم دولاب ملابسي واحترت في أي قميص أرتدي صحت مبتسما: الله يرحم. كنا فين وبقينا فين!

تحميل المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل أكثر من المشرف
تحميل المزيد في مقالات
التعليقات مغلقة.

راجع ايضا

ما هي اللغات الأكثر استخدامًا في العالم اليوم؟

أشهر 10 لغات مليون متحدث لكل منها. وبما انه أصبحت العولمة أكثر شيوعًا ، أصبح تعلم اللغات أ…