الرئيسية مقالات محطات في مسيرة قطار الذكريات

محطات في مسيرة قطار الذكريات

1 دقيقة قراءة
0
498

الاعلامي : عباس جعفر

كان بكل قرية من قرى بدين نقطة تجمع ليلية للجن. وتسير ليلا من حيّ الى آخر فتسمع همهمة تيس او حمار ولا تستطيع ان تجزم ما إذا كان حيوانا عاديا او شيطانا، وكان هناك كائن شرير اسمه سورنق جَدِّي soring Jaddi أي “شفاط الأنوف”، يشفط السوائل من أنفك ومخك فتسقط ميتا، وكان هناك السحاحير (ومفردها سَحَّار) وهم أصلا بشر مثلي مثلك، ولكنهم يتحولون ليلا إلى كائنات شريرة لها ذيول يهجمون على بني البشر اللي من غير ذيول ويقتلونهم، ولم نسمع قط عن شخص مات أو أصيب على يد سحار، ولكن الخوف منهم كان متجذرا في كبارنا وصغارنا، ومن الشائع في السودان الشمالي أن القيادة القومية للسحاحير هي جزيرة ناوا، وأهلها نوبيون، ولبست فيهم تهمة التحول الى كائنات شرسة كما لبست السودانيين تهمة “الكسل”

وكان هناك كائن آخر اسمه دُقُر dogor وكان أيضا يعتدي على الناس ويقتلهم او يلحق بهم إصابات جسيمة، وأتينا مدرسة البرقيق وثقافة الرعب متمكنة منا، فإذا بنا أمام خطر حقيقي شاهده المئات وشاهدته نفسيا عدة مرات: الضبع (آدي بالنوبية)!! فلأن منطقتنا محاصرة بالصحراء النوبية، وبما ان مزارع المشروع الزراعي التي كانت المدرسة تتوسطها، لم تكن مأهولة ليلا، فقد كانت الضباع تتسلل الى المدرسة كل مساء. وكنا ننام في الفضاء المفتوح (الحوش) وليس داخل الغرف صيفا، ولم لكن للمدرسة سوى سور من نبات يسمى العوير والأهبل (الأبله)، ولو كسرت اي جزء منه وغرسته في أرض يباب، نبت وأزهر بعد أيام، اي أنه ينمو ب”التيمم” ولا حاجة به إلى ماء أو أوكسجين أو أشعة شمس، ولم يكن السياج النباتي يمثل عقبة أمام الضباع التي كثيرا من استيقظنا ليلا لنجدها تتجول بين الأسرة الموزعة في فناء المدرسة، وبسبب الضباع كنا نمتنع عن شرب السوائل بعد غروب الشمس، فأي شيء يستوجب زيارة دورة المياه ليلا.. بلاش منه، ومن يتعرض لزنقة تضطره الى الذهاب الى الحمامات ليلا، كان “يعملها” في السرير، وربك يستر عليه من التريقة، وبما أنه لم تكن هناك مراتب بل لكل طالب بطانيتان يفرش واحدة ويتغطى بالأخرى، لم تكن مشكلة التبول اللا إرادي عويصة الا في الشتاء عند النوم داخل الغرف المبلطة، حيث لا تراب لامتصاص الفضيحة
* كانت طقوسنا في الأفراح والأتراح مزيجا من الوثنية والمسيحية والإسلام: رسم الصليب على جبهة الوليد، وعلى صومعة تخزين الغلال (القسي/القسيبة)، والاستعاذة من الشر بعبارة “ماريا مي”، والعبارة تأتي بهذه الصيغة في الكثير من اللغات الأوربية المعاصرة، وأيام الاسبوع: سانتي ليوم السبت (القديس في الكثير من اللغات الأوربية هو سانت او سينت او سان) وكراقي ليوم الأحد (كرياكي باليونانية)، ومسوقو ليوم الجمعة، وتتألف الكلمة من شطرين هما مسي وتعني الصوم و”أوقو” وتعني “يوم”، ويوم الجمعة هو يوم الصوم في الكنيسة الشرقية،.. والاحتفال بعاشوراء كان يتم قرب شاطئ النيل، حيث كانت العائلات تجلس في حلقات حول صحون الطعام الشهي، ولكن اول لقمة من كل صحن كانت تُرمى في النيل، النهر الإله، مصدر الخير الذي لابد من نيل “مرضاته”، حتى يفيض بالماء دون غضب او انفعال يهدد الزرع والضرع، وبعد دفن الميت، كانوا ينصبون على القبر مظلة من جريد النخل، وفي الأعياد يضعون التمر والكعك والحلوى قرب رأس الميت (القبر)، ولم يكن الناس بالطبع يدركون انهم يأتون شيئا يخالف صحيح الإسلام، فقد كان ذلك زمن يصلي فيه البعض وهم يقولون عوضا عن قراءة الفاتحة أو سورة او الاثنين معا: وو نور أي إقد إنّا مل أي كج إنا مل!! يا إلهي أنا نعجتك، أنا حمارك!! كان ذلك إسلام الأطراف القائم أساسا على قول الشهادتين واستيفاء الأركان الأربعة الأخرى، دون تمعن او تبصُّر
• في المدرسة الابتدائية كانت هناك حصص للمطالعة، وحصص “الموضوعات” التي تسمح لك بحرية التعبير حول مختلف الشؤون “المحلية”، وكانت هناك المدونة الشهرية التي كنا نسجل فيها ملاحظاتنا حول المتغيرات البيئية: شاهدت اليوم طائر الشُكشوكي (الهدهد) الذي يظهر عادة مع قدوم الشتاء،.. النخلة التي في بيتنا بدات بطرح الثمار وهو أمر غير مألوف في شهر نوفمبر، مما يعني ان ثمارها ستكون “بَكَّة” اي بدون نواة او طعم!! وكنا نقضي جانبا كبيرا من حصص الجغرافيا ونحن في فناء المدرسة نبني نماذج للبلدان او الأنشطة التي ندرسها، وكانت في المدارس الابتدائية حصص للفلاحة، وكانت في كل مدرسة حديقة جميلة، وفي مساء كل يوم اثنين كانت هناك الجمعية الأدبية، حيث تجد المواهب الواعدة فرصتها لتلمس طريقها

تحميل المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل أكثر من المشرف
تحميل المزيد في مقالات
التعليقات مغلقة.

راجع ايضا

ما هي اللغات الأكثر استخدامًا في العالم اليوم؟

أشهر 10 لغات مليون متحدث لكل منها. وبما انه أصبحت العولمة أكثر شيوعًا ، أصبح تعلم اللغات أ…