الرئيسية مقالات شخوص شاخصة في الذاكرة

شخوص شاخصة في الذاكرة

1 دقيقة قراءة
0
349

جعفر عباس

(هذه هي الحلقة الأولى من سلسلة مقالات عن شخصيات تركت أثرا في حياتي بدرجة أو بأخرى)

في حياة كل منا شخص أو أكثر ترك في نفسه أثرا طيبا، وقد يكون ذلك الشخص فردا من الأسرة، أو أحد الجيران  أو معلما في المدرسة، أو صديقا أو شخصا رمته المقادير في طريقك،  وما لم تكن غبيا أو مغرورا فإنك ستحفظ جميل مثل ذلك الشخص، وتذكره دائما

وبداهة فإن معظم الناس الأسوياء يذكرون جمائل الوالدين والإخوة، وتختزن ذاكرتي آلاف المواقف التي كانت أمي “الأمية” تعطيني الانطباع بأنني قادر على النجاح والتفوق، وحتى عندما كسرت خاطرها ولم أدرس الطب، ظلت تقول إن بمقدوري أن أصبح “أفنديا” كبيرا، والأفندي كلمة تركية دخلت قاموس العامية السودانية والمصرية وتعني “الموظف ذو الياقة البيضاء”، وكانت قمة المرام عند المتعلمين على أيام شبابنا أن يلتحقوا بوظيفة حكومية تضمن لشاغلها الوجاهة الاجتماعية، ولهذا يقول المثل المصري: من فاته الميري يتمرغ في ترابه؛ والميري هو كل ما له صلة بالحكومة، وبالتالي فالمثل يحث من فاته الالتحاق بعمل لدى الحكومة، ان يعمل في مجال قريب منها يسمح له بالتمرغ في ترابها (بحسبان أن فيه التبر)

وكسرت خاطر أمي مجددا وعملت بالتدريس فور التخرج في الجامعة، وتفهّمت عدم فرحتها بالمهنة التي اخترتها، لأن المدرس يعيش معظم سنوات حياته العملية وهو “حتة مدرس”، ولا يصبح رئيس قسم ونائب مدير ووكيل وزارة، (فبركوا وظيفة وكيل مدرسة من باب جبر الخواطر)، كما أنه يظل في حالة تلطش بالنقل المتكرر من مكان إلى آخر

سأعود الى هذه المحطة لاحقا إن شاء الله في سلسلة المقالات التي أود أن أستعيد فيها ذكر شخصيات تركت في دواخلي وذاكرتي ووجداني الكثير العطِر، ولعل  أولها الأستاذ عثمان سيد أحمد كنه الذي جاء الى مدرستي الابتدائية، وأنا في السنة النهائية فيها، وكانت مدرسة ذات سجل بائس في منافسات الانتقال الى المرحلة المتوسطة، فقد جعل الرجل همه أن ينظف ذلك السجل، وصار يقضي معنا الساعات الطوال يشرح دروس اللغة العربية والحساب والجغرافيا والتاريخ والعلوم الدينية، ويجري لنا الاختبارات التجريبية، ثم يهلل بعدها صائحا: السنة دي نكتسح امتحانات القبول في المدرسة المتوسطة. فترتفع معنوياتنا ونحلم بالنقلة الكبيرة وأهم ما يصحبها “تعلم الإنجليزية” التي كانت لغة دواوين الحكم في السودان لسنوات طوال حتى بعد الاستقلال

لم يكن عثمان كنه يعطينا فقط الإحساس والثقة بأننا قادرون على النجاح، ولكنه كان يحفزنا على السلوك  القويم، وأذكر يوم وقف في الطابور الصباحي ونادى على التلميذ “عبدون أمير”، فارتعبنا جميعا لأن الطوابير الصباحية كانت تشهد العقوبات الفردية والجماعية، وتوقعنا أن يخضع عبدون المسكين للجلد المبرح لأنه أتى أمراً يستحق العقاب؛ فإذا بنا نرى عثمان كنه يضع يده بلطف على رأس عبدون ثم يقول بصوت جهير: كنت قادما في الصباح الى المدرسة على ظهر حماري، ورأيت صبيا يزيل كوما من الأشواك كان يتوسط الطريق، واقتربت من الفتى وسألته عن اسمه وسعدت لأنه تلميذ معنا.. صفقوا له

ظللنا بعدها لشهور نزرع الشوك في الطريق الذي يأتي به أستاذ عثمان الى المدرسة ثم نبدأ في إزاحته فور أن نراه مقبلا، فيضحك، ثم قال في ذات طابور صباحي: الجماعة ال يوزعوا الشوك في الطريق ثم يزيلوه طلبا للشكر، يرتكبون الخطأ ثم يصححون الخطأ ولهذا لا يستحقون الشكر

ثم دارت الأيام وقررت الحكومة زيادة سنوات المرحلة الابتدائية إلى ست سنوات بدلا من أربع وكان عثمان كنه وقتها قد صار مدير نفس تلك المدرسة والتقاني في الخرطوم وطلب مني تبرعا لبناء غرفتي الدراسة الاضافيتين، فقلت له سمعا وطاعة، ولكن تلك المدرسة خرّجت آلاف الطلاب وتلاميذك أنت موجودون في مختلف القارات فلماذا لا نجعلها حملة يشارك فيها الجميع

وأصدر عثمان كنه المناشدة وخلال أشهر اجتمع لديه مال جعله يهدم المدرسة بأكملها ويبني جميع فصولها وغرف مدرسيها بشكل هندسي جميل، ولاحقا صار ذلك البناء الفخم مدرسة ثانوية تحمل اسم أخي (ابن عمتي) محمد صالح عمر الأستاذ الجامعي الذي استشهد وهو يقاتل ضد نميري في معركة الجزيرة أبا في مارس من عام 1970

أكيد يعرف معظمكم شخصية تركت أثرا حميدا في نفسه فأذكروهم هنا بالخير، جزاكم الله خيرا

تحميل المزيد من المقالات ذات الصلة
تحميل أكثر من المشرف
تحميل المزيد في مقالات
التعليقات مغلقة.

راجع ايضا

ما هي اللغات الأكثر استخدامًا في العالم اليوم؟

أشهر 10 لغات مليون متحدث لكل منها. وبما انه أصبحت العولمة أكثر شيوعًا ، أصبح تعلم اللغات أ…